لايزال التراث بمفرداته المختلفة حاضراً في إبداعات الفنانين الإماراتيين على اختلاف تجاربهم الفنية، ولكنه عموما يحضر برؤية معاصرة تختبر قدرة الفنان على تقديم أعمال تجمع بين الأصالة والتجديد، حيث لم يعد التراث مجرد محاكاة للماضي، بل تحول إلى رموز ومفاهيم بصرية تعاد صياغتها بأدوات العصر وخاماته.
    في هذا السياق لدينا لوحة للفنان الإماراتي عبد الرؤف خلفان أنجزها بأسلوب تعبيري رمزي يستفيد من التجريد والتبسيط الهندسي والفن الشعبي لتحويل الحزن الداخلي إلى لغة بصرية مباشرة وقوية، وذلك من خلال لوحة عن المرأة الإماراتية، يبرز في ملامحها قدر من الحزن والصمت.
    شخصية هذا العمل كما أشرنا هي المرأة التي تشكل محوراً أساسياً وبصرياً واضحاً، حيث تحيط بها عناصر زخرفية هندسية ونباتية، بالإضافة إلى أشياء يومية تمنح العمل طابعاً سردياً، ويبدو أن الفنان قد استلهم هذا العمل من ذاكرة الطفولة، وما هو مهم في هذه اللوحة هو تلك الألوان الزاهية التي تغلف المنظور الفني حيث نجح الفنان في تقديمها برؤية فنية معاصرة هي أقرب إلى الأسلوب التجريدي التعبيري.

    تكوين

    تقوم قوة التكوين في هذه اللوحة على مركزية المرأة، وما يحيط بها من ألوان وزخارف لا يأتي هنا كخلفية جامدة أو صامتة، وإنما هو موظف في بناء المعنى والإيقاع، من هنا، يبدو هذا العمل أقرب إلى العالم الرمزي المتخيل، حيث يتحول وجه المرأة وملابسها وكافة العناصر المحيطة بها من زخارف وألوان إلى عناصر متجاورة داخل بناء واحد.من هنا، تبرز قوة اللوحة لجهة إيقاعها البصري الذي يقود عين المشاهد مباشرة من جزء إلى آخر بدل أن تتوقف عند الوجه فقط.
    اللونان الأصفر والبرتقالي يمنحان العمل حيوية وحرارة، بينما الألوان (الأسود والأزرق والأخضر) تضيف قبساً من الحزن، يبدو ذلك أكثر وضوحاً في الأبيض على وجه المرأة، فالعينان الدامعتان المغمضتان، وتلك الدموع النازلة كأنها صرخة مباشرة، أما الرمز الأبرز في اللوحة، فهو الهلال في الخلفية مع الوجه الحزين الذي يمكن أن يحيل إلى ليل طويل من الانتظار والوحدة، وما يستحق التنويه في عمل الفنان عبد الرؤوف خلفان هو تنفيذ الألوان بحرفية تعتمد على التباين بين البرتقالي والأصفر، والأسود والأزرق، وأيضاً من خلال تلك البقع السوداء التي تحيط بالشخصية المحورية (تبدو أكثر في النافذة خلف وجه المرأة) وهذا التصميم يمنح العمل طابعاً تعبيرياً وشعبياً وسردياً واضحاً.

    ملامح

    ينجح عبد الرؤوف خلفان في تجسيد ملامح التراث المحلي، بنظرة عصرية ترتبط بذاكرته الشخصية، حيث الصور والحكايات والألوان المخزنة في الذاكرة على نحو يبتعد عن الأسلوب النمطي في الرسم، ليبدو المشهد الفني هنا، أكثر انفتاحاً وحيوية وتبدو قدرة الفنان راسخة في اعتماده على الاختزال والرمز وتوزيع المساحات والكتل والألوان، فمركز اللوحة حيث المرأة ليس معزولاً عما يحيط به من عناصر خاصة (الزخارف النباتية في اليسار، النافذة حيث المستطيل الداكن خلف الشخصية) وهنا، ثمة حوارية ناجحة بين المركز والأطراف، أما اللون الأحمر حيث شعر المرأة، في علاقته مع بقية التفاصيل والأشكال، فكلها حاضرة في اللوحة كعناصر جاذبة ومشبعة بالإيحاءات التي تشكل هوية جمالية لهذا العمل الذي يحرك المشاعر بلغته البصرية، ورسائله الصامتة التي توحي بالدفء والطاقة والعمق.

    إضاءة

    بدأ عبد الرؤوف خلفان، ممارسة الرسم في سن مبكرة، مع رسومات بالفحم ورسم البورتريه، مستخدماً صوراً قديمة لشخصيات عامة، كما رسم الكثير من عناصر التراث المحلي، من المنازل والمشاهد الفلكلورية المختلفة.

    المصدر: جريدة الخليج

    شاركها.

    التعليقات مغلقة.