في عصر تتهاوى فيه حدود السيادة الوطنية وتتشابك الاقتصادات، يأتي هذا الكتاب وعنوانه «أقوى من الدول.. ستة مليارديرات غيروا وجه العالم» لمؤلفته الصحفية الفرنسية كريستين كيرديلان كتحقيق استقصائي جريء، يفضح تحول رأس المال الخاص إلى قوة جيوسياسية موازية، وتبحث من خلاله في دور هؤلاء الأثرياء في الحراك السياسي العالمي، وتأثيرهم السلبي.
يصنف الكتاب ضمن المؤلفات التي تحاول قراءة سلطة جديدة يصنعها اقتصاد المنصات والتكنولوجيا، ويتناول تحولات النفوذ، حيث لم تعد السلطة حكراً على الدول والمؤسسات السياسية التقليدية؛ بل أصبح ينازع الدول على سلطاتها، حفنة من المليارديرات القادرين على التحكم في تدفق المعلومات، وتعريف ما هو ممكن تقنياً وأخلاقياً في حياة البشر اليومية.
تطرح المؤلفة أسئلة حول الاحتكار والخصوصية والسيادة الرقمية وحدود الديمقراطية، حيث تتحول القرارات التقنية إلى قرارات سياسية دون تفويض شعبي مباشر، مؤكدة أن هؤلاء الرجال لا يحتاجون إلى الانتخابات أو الانقلابات للاستحواذ على السلطة، فهم يمتلكونها بالفعل.

دور جوهري

ترى كريستين كيرديلان أن المليارديرات الستة يعملون في حذر من الإدارات الحكومية، التي تسعى إلى تقييدهم، ويتخيلون أنفسهم في عالم بلا دول؛ بل يتقدمون في مجالات الفضاء والاكتشافات العلمية على الدول، فإيلون ماسك يمتلك ثلث الأقمار الصناعية للاتصالات، التي تدور حول الأرض، وبفضل شبكته تمكنت أوكرانيا من إدارة حربها، في ما بات الفضاء السيبراني في يد الشركات الخاصة، وأصبح يؤدي دوراً جوهرياً في الدفاع عن الدول.
الكتاب الذي ترجمه إلى العربية أنطوان سركيس وصدر عن دار الساقي، يعيد تعريف السيادة والسلطة في عصر التكنولوجيا والرأسمالية الرقمية، ويكشف هشاشة الديمقراطيات أمام قوة غير منتخبة تسيطر على الاقتصاد والمعلومات والصحة العالمية، ويسلط الضوء على الحلول الممكنة: ضرائب عالمية، تنظيم الذكاء الاصطناعي، شفافية التمويل، تفكيك الاحتكارات الرقمية.
خصصت المؤلفة حيزاً كبيراً لإيلون ماسك، الملياردير الأكثر شهرة في القرن الحادي والعشرين، الذي يثير قلق الحكومة الأمريكية بتصرفاته المزاجية، هذا الرجل عانى مراهقاً من تنمر زملائه، وتجول في أرجاء كندا بحثا عن عمل فعمل حطاباً، وحلم باكرا بالولايات المتحدة، حيث أسس مع شقيقه مشروعاً شبيها بـ«غوغل».
على عكس إيلون ماسك، لا يسعى مارك زوكيربيرج إلى السيطرة على الفضاء، لكنه يحكم سيطرته على حياة ثلاثة مليارات إنسان من خلال «فيسبوك» و«إنستجرام» وهو في أساس التحولات العميقة في المجتمع، يقف أمامه السياسيون عاجزين، فمنصاته تتحمل مسؤولية كبيرة في تعميق الانقسامات بين المجتمعات، وتفكك السكان وتعزيز تطرفهم، وتنامي القلق الاجتماعي، والاكتئاب والأفكار الانتحارية. إذا كان مارك زوكربيرج أول العارفين بأضرار شبكته، فإنه آثر غض الطرف كي يبقي على أرباحه الخيالية ويصبح عام 2009 أصغر ملياردير في العالم.

دمج الإنسان بالآلة

ينتقل الكتاب إلى مؤسسي جوجل «لاري بيدج وسيرجي برين» وفلسفتهم القائمة على الحلول التقنية لكل مشكلة، وصولاً إلى جنوحهم نحو «الترانسهيومانية» (دمج الإنسان والآلة) والبحث عن إطالة الحياة عبر شركة «كالكو» السرية ويناقش التحديات الأخلاقية لجمع البيانات والتعاون مع أجهزة الاستخبارات.
لاري بيج وسيرجي بين يمتلكان نفوذاً يفوق نفوذ رؤساء الدول، وثروة تقدر بمئة مليار دولار لكل منهما، وقد أطلقا تحدياً جديداً: قتل الموت، ولا يقل جيف بيزوس طموحاً عنهما، فقد طمح لبناء سفن فضائية عملاقة بحجم المدن الكبرى لنقل البشرية إلى الفضاء، وفي عام 2021 أصبح رائد السياحة الفضائية، بعد رحلته الخاصة على متن صاروخ شركته.
يرصد الفصل الرابع نفوذ بيزوس في التجارة الإلكترونية (أمازون) والبنية التحتية السحابية (AWS) والاستثمارات الفضائية، ويحلل الكتاب كيف يبني بيزوس «اقتصاداً لوجستياً بديلاً للدولة» ويهدد السيادة عبر التحكم في سلاسل التوريد وسوق البيانات.
بيل جيتس، الرجل الأقوى في مجال الصحة العالمية، وأكثر الناس سخاء في مجال العمل الخيري، تجاوزت تبرعات مؤسسته تبرعات أكبر الدول، باستثناء ألمانيا والولايات المتحدة، ويبقى في المرتبة الخامسة بين أثرياء العالم، وتقدر ثروته بـ114 مليار دولار.

المصدر: جريدة الخليج

شاركها.

التعليقات مغلقة.