تعد عناصر التراث والبيئة المحلية، أحد أهم الروافد التي استند إليها الفن التشكيلي الإماراتي في بناء هويته البصرية، حيث أعاد الفنانون إنتاجها داخل العمل الفني، مترجمين بذلك غنى مخزون الذاكرة التراثية، مستحضرين من خلالها جماليات العلاقة بين الإنسان والمكان، فحضرت البيوت القديمة، والأبواب الخشبية، والبحر، والصحراء، والحرف التقليدية، كما حضرت النخلة بصورة مكثفة، كواحدة من أكثر العلامات اتصالاً بالحياة الإماراتية والخليجية.
في اللوحة التي نلقي عليها الضوء اليوم، خير مثال على هذا التوظيف الفني، وهي من أعمال الفنانة عالية المنصوري، وفيها يظهر لنا مشهد تراثي عريق، قريب من الذاكرة والوجدان، وفيه يلاحظ المشاهد في البناء التشكيلي للوحة، رجلاً بالزي الإماراتي التقليدي، يحتضن بكفيه مجموعة من ثمار الرطب المتنوعة، فيما تحيط به سعف النخيل وعذوق الرطب والتمر، وقد اختارت الفنانة هذا المشهد لما يقدمه من تصوير لعمق العلاقة بين الإنسان الإماراتي والنخلة، لذا جعلت مشهد اليدين وتوزيع عذوق الرطب حول الرجل لتبدو أقرب إلى الاحتضان المتبادل بينه وبين الأرض.
تدرج
أجادت الفنانة توظيف زاوية النظر العلوية للمشهد، وهنا حولت العمل لما يشبه لقطة سينمائية، فجاء المشهد يحاكي التصوير من زواية نظر علوية، في ما يعرف في علم التصوير بلقطة (High Angle Shot)، وهي تقنية تصوير توضع فيها الكاميرا أعلى مستوى العين أو الشخصية وتوجه نحو الأسفل، وهنا ندرك أن اختيار هذه الزاوية جاء عن قصد وغاية من الفنانة، فهذا المشهد لا نرى فيه ملامح الشخصية وجهاً لوجه، بل ننظر إليها من أعلى، وذلك يمنح العمل مزيداً من الخصوصية الفنية، وتبتعد فيه عن الوقوع في التوثيق التقليدي.
يرتكز المشهد على شخصية الرجل في الجزء الأيمن من مساحة اللوحة، مع حركة لثمار الرطب من حوله، ومن هنا تتولد علاقة جمالية بين كتلة الجسم البشرية، والتي ترتدي الزي الإماراتي التقلدي بلون أبيض، وبين محيط نباتي شديد الكثافة والتنوع، ويعمل هذا التوزيع على منح التكوين العام شيئاً من الحيوية، لذا اختارت الفنانة أن تضع الشخصية في مركز بصري تدور حوله بقية العناصر، فيصبح الجسد بمثابة نقطة جذب تقع عليها عين المشاهد من الوهلة الأولى.
نلمس في اللوحة الدقة والحرفية العالية التي تتمتع بها اليد التي تخطط لضربات الفرشاة، لترسم مساراً للحركة البصرية للمتلقي، فتنتقل العين من الرأس في حركة تدريجية الى الذراعين ثم الى الكفين الممتلئين بالرطب، وهنا تحديداً تظهر اليد مركزاً بصرياً ورمزياً آخر، في فلسفة الكون «الأخذ والعطاء»، فالرجل يجتهد ويعمل ويحافظ على النخلة، وتمنحه هي الأخرى من خيراتها وثمارها.
رؤية
الرؤية اللونية للفنانة عالية تعتبر من أبرز نقاط قوة اللوحة، ولقد وضعت اللون الأبيض في «الكندورة» و«الغترة» في مواجهة مجموعة واسعة من الألوان الدافئة المحيطة بالشخصية، وجعلت من كتلة الرطب الأصفر أعلى اللوحة مساحة لونية مضيئة، تكاد تعمل كالشمس داخل المشهد، في ما يقابل ذلك في الجهة اليسرى والأسفل توزيعات لونية متقنة ومكثفة من اللون الأخضر والأحمر والبني، ومن خلال هذا التوزيع يتحقق نوع من الاتزان بين المساحات المضيئة والداكنة.
وإذا ما تحدثنا عن الرمز والدلالة في هذا العمل، لا بد لنا من إدراك الرؤية العامة للفنانة في أن تجعل اللوحة تتجاوز التصوير المباشر لمزارع يحمل بين يديه ما جادت به النخلة، فتنتقل بنا في فضاء الذاكرة المحلية برمزية النخلة رمز العطاء والاستمرار والارتباط بالأرض، ومصدر الغذاء والظل، والتي دخلت في تفاصيل الحياة اليومية وفي صناعة البيوت والأدوات التقليدية، لذلك حين تظهر النخلة أو سعفها أو ثمارها في اللوحة الإماراتية، فإنها غالباً ما تفتح أمام المتلقي مساحة أوسع من القراءة، إذ يصبح حضورها استدعاء لمجتمع كامل، ولأسلوب حياة تشكل حول الطبيعة وقدرتها على منح الإنسان أسباب البقاء.
إضاءة
عالية المنصوري فنانة إماراتية، حاصلة على درجة الماجستير في إدارة الأعمال، بدأت ممارسة الرسم كهواية، إلا أن شغفها بالفن شهد تحولاً في عام 2020، حيث كرست وقتاً أكبر لتطوير موهبتها وصقل مهاراتها والتعمق في عالم الفن، تستمد إلهامها بشكل أساسي من البيئة الإماراتية الغنية بتفاصيلها ومكوناتها التراثية، وتحرص من خلال أعمالها على استحضار عناصر هذا التراث وتقديمها بأسلوب فني يعكس ارتباطها العميق بالهوية الإماراتية واعتزازها بإرثها الثقافي المتنوع.

المصدر: جريدة الخليج

شاركها.

التعليقات مغلقة.