تعد البنية الثقافية المميزة لإمارة الشارقة، ركيزة مهمة تنطلق منها معظم الفعاليات والمهرجانات الثقافية والفنية المتنوعة، وتقوم هذه البنية الاستثنائية على مبدأ الاستثمار الفكري والاقتصادي، الذي يجعل من هذه الفعاليات المكثفة منصات حية تخدم المجتمع وتربط ماضيه بمستقبله.
ذلك هو المبدأ الذي يمكن تأكيده حول انطلاق مهرجان الشارقة السينمائي الدولي للأطفال والشباب في دورته الأولى عام 2013، بتنظيم من مؤسسة «فن» (الفن الإعلامي للأطفال والناشئة) في الشارقة، تحت رعاية وحضور ودعم مؤسسي وثقافي بارز، بإدارة قرينة صاحب السموّ حاكم الشارقة، سموّ الشيخة جواهر بنت محمد القاسمي.
يعد المهرجان «الأول من نوعه» للأطفال والشباب في دولة الإمارات ومنطقة الخليج والشرق الأوسط، الذي يهدف إلى تعزيز الثقافة الإعلامية ودعم المواهب الصاعدة، من منطلق الحاجة إلى صون الهوية وحماية التراث المادي واللامادي من الاندثار، وردم الفجوة المعرفية بين الأجيال القديمة والشباب، والاستشراف والاستثمار الاقتصادي، وتحريك عجلة الاقتصاد المحلي، إضافة للحاجة إلى تفعيل المنصات التفاعلية، التي تجمع المبدعين والفنانين بالجمهور خارج الإطارات التقليدية (كالمتاحف أو دور العرض المغلقة)، وما يتبع ذلك من الحاجة إلى تقديم المدن والمناطق ك«بطاقات تعريف حضارية» تبرز خصوصيتها الثقافية المحلية.

قيم تربوية

تأسس مهرجان الشارقة السينمائي الدولي للأطفال والشباب (والذي عرف سابقاً بمهرجان الشارقة لسينما الطفل)، على مجموعة من الأهداف التي تحمل أبعاداً تربوية وفنية عميقة، تستهدف بناء جيل واعٍ ومبدع، تماشياً مع رؤية إمارة الشارقة الثقافية، ومن ذلك تنمية التفكير النقدي، وغرس وعي جديد لدى الأطفال، يتجاوز قيم الاستهلاك المادي من خلال تحفيزهم على تحليل الرسائل السينمائية، التي تغرس فيهم القيم الإنسانية، من خلال ما يُعرض من أفلام تطرح قضايا عالمية مثل الصداقة والتعايش وحماية البيئة والتغلب على التحديات، والذي بدوره يسهم في بناء شخصية متوازنة للطفل، ناهيك عن تعزيز التبادل الثقافي، إذ يتيح المهرجان فرصاً كبيرة للأطفال للتعرف إلى ثقافات وعادات الشعوب الأخرى، ما ينمّي لديهم قيم التسامح وتقبل الآخر، وهذا بدوره يدعم المواهب الشابة، ويمنحهم منصة لعرض إبداعاتهم الخاصة، رافعاً ثقتهم بأنفسهم، موجهاً لهم نحو مسارات إبداعية مستدامة.

قيمة فنية

عند الحديث عن المهرجان، لا بد من الإشارة إلى أهميته في تأسيس مجموعة من القيم الفنية التي تطور من الذائقة البصرية، وذلك من خلال عرض المهرجان لسينما بديلة وهادفة تختلف عن الأفلام التجارية السائدة، ما يرتقي بحسهم الفني والجمالي، كما يوفر المهرجان مجموعة متنوعة من ورش العمل المتخصصة في صناعة الأفلام والإخراج والتصوير والرسوم المتحركة يقدمها خبراء عالميون، والتي بدورها تسهم في إثراء المحتوى العربي.

أفكار

بتسليط الضوء على الأفكار التي يسعى هذا المهرجان لتحقيقها، تأكيده على تعزيز دور السينما كوسيلة تتجاوز كونها مجرد وسيلة للترفيه لتصبح موجهاً سلوكياً وفكرياً، يسهم بشكل مباشر في تشكيل وعي الأجيال الصاعدة، وخاصة الأطفال والشباب، وفي هذا الإطار لابد من الإشارة إلى الدور المحوري الذي تلعبه السينما بشكل عام في قدرتها على تعزيز الرؤية البصرية، من خلال تحويل مواد القصص والحكايات إلى فضاء الشاشة من خلال تنوع الأفلام المعروضة كأفلام الرسوم المتحركة والأفلام العائلية، التي ترمي إلى ترسيخ القيم الأخلاقية، من خلال التركيز على مفاهيم الخير والعدالة، والصداقة، والتعاون، وهي قيم ومفاهيم تعرضها السينما من خلال قوالب قصصية بسيطة ومؤثرة تلتصق بذهن الطفل، ما يوسع ملكة الخيال عنده ويحفز الابتكار ويفتح أمامه فانتازية، وقصصاً علمية تفتح آفاقاً رحبة لتنمية التفكير الإبداعي لدى الطفل، ما يحفز فضوله المعرفي.

سيرة

انطلقت الدورة الأولى من المهرجان في عام 2013، وقد حققت نجاحات متواصلة على مدار دوراته المتعاقبة، وشهد تحولاً رئيسياً في دورته السادسة (2019) عندما تم توسيع نطاقه ليشمل «الشباب» إلى جانب الأطفال. وهنا، أصبحت دورات المهرجان تمتلك هوية متجددة، من خلال إطلاق شعارات رئيسية ممتدة لعدة دورات، ومن أبرز العناوين والشعارات التي تميزت بها مواسمه: الشعار الأبرز: «فكر سينما» كعنوان عريض وملهم امتد عبر عدة دورات متتالية (مثل الدورة السادسة 2019، الدورة الثامنة 2021، والدورة التاسعة 2022).

جوائز

حرص المهرجان على تقديم جوائز في كل دورة من دوراته، على سبيل المثال، أعلنت اللجنة المنظمة للمهرجان عن جوائز الدورة العاشرة (التي اختتمت فعالياتها في أكتوبر 2023)، وجاءت نتائجها لتشتمل على قائمة كاملة للفائزين بجوائزها كأفضل فيلم روائي طويل للفيلم السوري «نزوح»، وأفضل فيلم قصير للفيلم الإيراني «دودة القز»، وأفضل فيلم خليجي قصير لفيلم «سكون»، وهو للمخرجين إحسان ومروان بكري، وهذا الفيلم يسلّط الضوء على تحديات الصم ويناقش مواضيع حساسة، مثل العنف الجسدي والتحرش في قالب مستوحى من قصة حقيقية. وهو نتاج تعاون مشترك بين فلسطين والأردن ومصر.
وهناك جائزة أفضل فيلم رسوم متحركة طويلة لفيلم «تلة حصى»، وأفضل فيلم رسوم متحركة قصيرة للفيلم النرويجي البلجيكي «Titina»، وأفضل فيلم من صنع الطلبة ل«Hope»، وأفضل فيلم من صنع الأطفال واليافعين للفيلم القصير «ضمير متصل».

محطات

أقيمت الدورة السابعة من المهرجان تحت شعار «أفلام مستوحاة من كتب»، وشهدت خلال الفترة من 13 إلى 18 في عام 2020، وشهدت عرض 132 فيلماً، من 39 دولة عربية وأجنبية.
بينما عقدت الدورة الثامنة من المهرجان عن بعد بمشاركة أكثر من 80 فيلماً، وعاد المهرجان حضورياً في عام 2022، فعقد دورته التاسعة في مركز الجواهر للمناسبات بمشاركة 95 فيلماً، أما دورته العاشرة في 2023، فاحتفت بمرور عقد كامل على تأسيس المهرجان، وعرضت هذه الدورة لإنتاجات سينمائية عالمية متميزة، أما دورته التالية في 2024، فدمجت تقنيات الذكاء الاصطناعي وصناعة الرسوم المتحركة المتقدمة والابتكار الرقمي.
وتنطلق الدورة الثالثة عشرة من المهرجان في الفترة من 25 أكتوبر حتى 1 نوفمبر المقبلين، في سيتي سنتر الزاهية وبيت الحكمة، وتحتفي بجمهورية إيطاليا كضيف شرف الدورة.

لبنة أولى

عكست مسيرة المهرجان مقولات ورؤى عميقة تعكس فلسفة الشارقة الثقافية تجاه الفن والطفل. ولعل أبرز تلك المقولات ما صدر عن صاحب السموّ الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى، حاكم الشارقة، عند التأسيس عام 2013: «المهرجان يعدّ اللبنة أو الخطوة الأولى نحو صنع أفلام حقيقية تخدم الفكر والإنسان».
أما سموّ الشيخة جواهر بنت عبدالله القاسمي، مدير المهرجان ومؤسسة «فن»، فقالت: «السينما تمنح الأطفال والشباب فرصة لرؤية العالم بعيون مختلفة، وتفتح أمامهم نوافذ على ثقافات وأفكار جديدة، ونحن نطمح ونعمل لنظل منصة الأجيال الجديدة لتقديم رؤيتها وتصوراتها وأفكارها إلى العالم، فالأطفال والشباب شركاء فاعلون في رسم مستقبل الإنسانية».

ملامح

تأسس المهرجان في 2013
الأول من نوعه في الشرق الأوسط
الدورة السابعة عرضت 132 فيلماً
80 عملاً في الدورة الثامنة «عن بعد»

المصدر: جريدة الخليج

شاركها.

التعليقات مغلقة.