لعل من أبرز هذه الجماعات التي تكونت في رحم الواقع، وبرزت كنتاج طبيعي للحراك المسرحي النشط في الدولة، فرقة «مسرح الشارقة الحديث»، والتي تعتبر من الفرق الرائدة في الإمارات؛ إذ تأسست في وقت مبكر وتحديداً في عام 1974م. وكان ذلك التأسيس بمثابة منعطف بارز في الساحة الفنية؛ حيث مثّل- إلى جانب تجارب أخرى- نقلة من العفوية إلى الاحتراف في التعامل مع المسرح كفن جاد يؤدي دوراً أساسياً في التعبير عن المجتمعات المحلية، وفي عملية التغيير والتطور، وهو ما ظلت تفعله هذه الفرقة منذ ذلك الوقت وحتى اللحظة الراهنة التي تشهد ازدهاراً كبيراً لـ«أبو الفنون» في الدولة.
    حملت الفرقة في انطلاقتها المبكرة اسم «مسرح خالد»، وجاء مولدها متزامناً مع إشهار «جمعية الشارقة للفنون الشعبية والمسرح»، ومقرها في منطقة الجزات «ضمن ضاحية الرقة» في مدينة الشارقة، والتي شكلت المظلة الحاضنة لهذه الفرقة العريقة. وتجلى دورها الريادي في إثراء الحركة الثقافية والفنية في الدولة بما قدمته من ممارسات وإبداعات راسخة، وحضورها المستمر في المهرجانات الكبرى محلياً وخارجياً، لا سيما في المنصة الأبرز في الإمارات «أيام الشارقة المسرحية»، حيث حصدت العديد من الجوائز. كما استطاعت الفرقة تخريج أجيال من الفنانين الواعدين في شتى عناصر العرض المسرحي.

    علامات

    يترأس الفرقة حالياً المسرحي القدير فيصل علي، وقد ارتبطت الفرقة منذ تأسيسها بأسماء بارزة في خارطة الحراك المسرحي؛ ممن وضعوا لبنتها الأولى وبنوا مجدها الحالي، وفي مقدمتهم الفنان مرعي الحليان، الذي قاد الفرقة لسنوات عديدة، واستطاع إثراء العمل فيها برؤى وأفكار صنعت لها هوية خاصة، حتى غدت من أوائل المؤسسات المسرحية الإماراتية. كما تضم هذه المسيرة الراحل حميد سمبيج، والفنان إبراهيم سالم الذي يعد اليوم من الأركان الأساسية للفرقة، وكذلك سعيد عبد العزيز؛ صاحب الإسهامات البارزة في بدايات الفرقة، ويضاف إليهم الفنان القدير أحمد الأنصاري، الذي يُعد واحداً من أبرز الرواد الذين عاصروا الفرقة منذ انطلاقتها التأسيسية كممثل، واستمر تعاونه معها كمخرج حتى العروض الحديثة.
    والواقع أن هناك العديد ممن أدوا دوراً محورياً في صياغة لون الفرقة وموقفها الفكري من قضايا المسرح؛ فثمة المخرج حسن رجب، وهو قامة فنية كبيرة أخرج للفرقة العديد من الأعمال البارزة التي رسخت في أذهان الجمهور الإماراتي والخليجي. وكذلك المخرج والكاتب علي جمال، الذي ألّف نصوصاً أساسية للفرقة، إلى جانب الكاتب والمخرج جاسم الخراز. ولا ننسى المخرج محمد صالح، الذي تولى إخراج روائع الفرقة التي انتزعت جوائز كبرى، إضافة إلى أسماء كثيرة مرت بالفرقة وتركت أثراً خالداً، وأخرى لا تزال تقدم عطاءها الفني والإبداعي.
    ظلت الفرقة تحمل اسم «مسرح خالد» منذ تأسيسها وحتى أواخر ثمانينات القرن الماضي، ثم انتقلت إلى الاسم الجديد «المسرح الحديث في الشارقة» تحديداً في عام 1989م. وجاء هذا الانتقال معبراً عن ضرورات فكرية وفنية تتماشى مع تطور الفرقة، واستجابة للطفرة الثقافية والتطوير الهيكلي للمسارح الأهلية في إمارة الشارقة، وصدور القرارات المنظمة للجمعيات والفرق من دائرة الثقافة؛ إذ جرى تعديل الأسماء وتحديثها لتأخذ الطابع «الحديث» أو «الوطني» بما يعكس الرؤية الفنية المعاصرة للحركة المسرحية في الدولة. فإطلاق هذه المسميات الجديدة على الفرق بمثابة خارطة طريق فكرية، تصيغ أهدافاً تنفتح على المتغيرات العصرية.
    اهتمت الفرقة كثيراً بأن يكون وجودها مؤثراً في الحراك المسرحي بكل أشكاله ومفرداته، وفي كواليس صناعة العروض؛ لذا أولت اهتماماً كبيراً بالورش التدريبية التي شكلت مختبرات عملية وعلمية للتعريف بعناصر العرض المسرحي.
    ممارسات ارتبط اسم الفرقة منذ تأسيسها بعروض وممارسات مسرحية خالدة، استطاعت التعبير عن المجتمع والتأثير فيه، وصناعة قاعدة جماهيرية كبيرة لـ«أبو الفنون» في الدولة، فضلاً عن ترسيخ الوعي المسرحي. ولعل من أبرز تلك العروض التي شكلت نقلة نوعية في مسيرة الفرقة، تلك الأيقونة الخالدة «مأساة الحلاج» للشاعر صلاح عبد الصبور، والتي عُرضت عام 1986م؛ إذ تُعتبر واحدة من أهم المحطات التاريخية الفارقة. وقد أخرج العرض يحيى الحاج، وضم النخبة الأساسية ممن أصبحوا قادة المسرح الإماراتي؛ مثل: أحمد الأنصاري، وناجي الحاي، وعبدالله صالح، وعلي الشالوبي.
    وقد عُرضت مسرحية «مأساة الحلاج» قبيل فترة وجيزة من تغيير اسم الفرقة إلى «المسرح الحديث»؛ وبذلك شكلت منعطفاً وتحولاً نحو أفق جديد يزخر بالرؤى والأفكار والأساليب الفنية؛ إذ مهدت الطريق لانتقال نحو ميلاد جديد غادرت فيه الفرقة مربع الكوميديا الاجتماعية البسيطة، لتنطلق نحو مسرح الفصحى التعبيري والذهني الجاد والتجارب النخبوية.
    من أبرز الأعمال التي قدمتها الفرقة كذلك بمسماها القديم، مسرحية «الرجال لهم رؤوس» للكاتب محمود دياب كعرض تأسيسي، ومسرحية «الله يكون في العون» التي تُعتبر أحد العروض الجماهيرية الأولى والتأسيسية للفرقة، والتي شهدت البدايات الأولى لجيل الرواد؛ مثل الفنان والمخرج إبراهيم سالم، والراحل حميد سمبيج. وكذلك مسرحية «الشركة»؛ وهي من الأعمال الاجتماعية المبكرة التي ناقشت قضايا إنسانية ومحلية تلامس مجتمع الإمارات في فترة النهضة المسرحية الأولى. يُضاف إلى ذلك مسرحية «حكاية دكان»؛ وهو عرض كوميدي هادف اعتمد على الارتجال ومحاكاة الواقع اليومي، وأسهم في استقطاب الجمهور المحلي إلى خشبة المسرح وتثبيت اسم الفرقة في الساحة الفنية. وهناك أيضاً أعمال أيقونية؛ مثل: «مأساة بائع الدبس الفقير» لسعد الله ونوس، و«الوحوش لا تغني» لممدوح عدوان، و«الطريق» لعقلة عرسان.
    أما أبرز الأعمال التي قدمتها الفرقة بمسمّاها الجديد «المسرح الحديث»، فمنها مسرحية «ليلى بنعمر» (2010م)، والتي تُعد واحدة من أنجح أعمالها؛ إذ حصدت أربع جوائز كبرى في الدورة العشرين لـ«أيام الشارقة المسرحية». فضلاً عن عروض أخرى متميزة؛ مثل: «ليلك ضحى» عام 2018م، و«الساعة الرابعة» عام 2019م، و«وليمة عيد» عام 2024م، و«علكة صالح» عام 2025م؛ إذ ارتبط هذا الانتقال الهيكلي للفرقة بتوجهها نحو عروض يتجلى فيها أثر التجريب، والنزوع نحو المسرح النخبوي الجاد.
    اهتمت إمارة الشارقة بالفرق المسرحية؛ باعتبارها الوعاء الذي يحمل النشاط والحراك المسرحي. وبرز العديد من الجماعات التي حملت لواء «أبو الفنون»، وأسهمت بشكل فاعل في الازدهار والتطور المسرحي في الدولة بصورة عامة، وفي الشارقة بشكل أكثر خصوصية؛ نظراً لأن الإمارة تحتضن منذ وقت مبكر مشروعاً ثقافياً كان للمسرح فيه المكانة الكبيرة والسامية. وكان ظهور هذه الفرق بمنزلة منعطف كبير في التطور المسرحي في الدولة.
    ملامح
    تأسست الفرقة عام 1974
    انطلقت باسم «مسرح خالد».
    «مأساة الحلاج» أبرز عروض البدايات.
    فازت بالعديد من الجوائز

    المصدر: جريدة الخليج

    شاركها.

    التعليقات مغلقة.