تدخل سوق العقارات في دبي، مرحلة جديدة تتجاوز فيها الرقمنة حدود تسويق العقارات وإدارتها إلى إعادة تعريف طريقة امتلاكها والاستثمار فيها، مع طرح 10 وحدات سكنية للبيع وفق آلية «الرموز العقارية» (Tokens)، بقيمة إجمالية بلغت 18.51 مليون درهم، من خلال شراء 8.76 مليون «توكن».
ويأتي هذا التطور في وقت تتجه فيه دبي إلى بناء منظومة عقارية أكثر ارتباطاً بتقنيات البلوك تشين والأصول الرقمية، بما قد يفتح الباب أمام جيل جديد من المستثمرين، خصوصاً جيلي «زِدْ» (Z) وجيل «ألفا» (Alpha)، اللذين ينشآن في بيئة مالية أكثر اعتماداً على التطبيقات والمنصات الرقمية والاستثمار الجزئي.
وفي خطوة تعكس هذا التحول، خفضت «بريبكو مِنت» (PRYPCO Mint)، المرخصة من هيئة تنظيم الأصول الافتراضية في دبي (VARA)، الحد الأدنى لشراء الرموز العقارية المتاحة عبر سوقها من 2,000 درهم إلى 1,000 درهم، بهدف توسيع قاعدة المستثمرين وتسهيل الوصول إلى الاستثمار في العقارات المرمّزة في دبي.
حيث يقتصر الخفض على الرموز العقارية المتاحة للشراء في السوق، أي العقارات التي اكتمل تمويلها سابقاً، بينما يبقى الحد الأدنى للاستثمار في الطروحات العقارية الجديدة عند 2,000 درهم.
امتلاك «حصة رقمية»
وبحسب «دائرة الأراضي والأملاك في دبي»، يعكس هذا النموذج تحولاً مهماً في مفهوم الاستثمار العقاري التقليدي. فبدلاً من الحاجة إلى رأس مال كبير لشراء وحدة كاملة، يتيح الترميز العقاري للمستثمر امتلاك حصة جزئية في عقار، ما يخفض حاجز الدخول إلى أحد أكثر أسواق العقارات نشاطاً في المنطقة.
كما يتيح السوق للمستثمرين شراء وبيع الرموز العقارية المؤهلة من دون فترة احتفاظ إلزامية، إلى جانب الاستثمار في عقارات ممولة بالكامل يمكن أن توفر دخلاً إيجارياً وإمكانات للنمو في القيمة. ويمنح ذلك المستثمرين مرونة أكبر في بناء محافظ متنوعة بدلاً من تركيز رأس المال في أصل عقاري واحد.
ولا يقتصر التحول على خفض قيمة الاستثمار الأولي، بل يمتد إلى تغيير العلاقة بين المستثمر والعقار نفسه. فالملكية تصبح قابلة للتجزئة والتداول رقمياً، في نموذج يمكن أن يجذب المستثمرين الأصغر سناً الذين اعتادوا على الاستثمار عبر المنصات الرقمية بدلاً من التعامل مع الأصول التقليدية فقط.
اختبار مستقبل القطاع
وتأتي هذه التطورات في إطار المرحلة التجريبية من «مشروع الترميز العقاري» الذي أطلقته الدائرة، بالتعاون مع هيئة تنظيم الأصول الافتراضية في دبي (VARA)، ومؤسسة دبي للمستقبل، و«مصرف الإمارات المركزي».
ويُعد المشروع، إحدى المبادرات تحت مظلة «مبادرة ريس للابتكار العقاري»، ويستهدف ترسيخ مكانة دبي كمركز عالمي للابتكار العقاري. كما يمثل خطوة سبّاقة على مستوى المنطقة، إذ تُعد دائرة الأراضي والأملاك في دبي أول جهة تسجيل عقاري في الشرق الأوسط تعتمد تقنية البلوك تشين في ترميز العقارات.
وتكمن أهمية النموذج في قدرته على إتاحة التملك الجزئي، وتوسيع قاعدة المشاركين في سوق العقارات، مع الاعتماد على البلوك تشين لتعزيز الشفافية والموثوقية وقابلية تتبع المعاملات.
سوق مختلفة
وقد يكون التأثير الأكبر لهذه النماذج على المدى الطويل مرتبطاً بتغير التركيبة الديموغرافية للمستثمرين. فجِيل Z، ومعه جيل Alpha الذي سيدخل تدريجياً إلى سوق العمل والاستثمار خلال السنوات المقبلة، يتعامل مع التكنولوجيا باعتبارها جزءاً طبيعياً من الحياة المالية، وليس أداة إضافية.
وبالنسبة لهذين الجيلين، قد لا يكون امتلاك شقة كاملة هو الشكل الوحيد المقبول للاستثمار العقاري. فقد تصبح القدرة على شراء حصة صغيرة من عقار، ومتابعة أدائه، والحصول على عائد محتمل، ثم بيع الحصة رقمياً، نموذجاً أكثر انسجاماً مع سلوك المستثمر الرقمي.
وهذا لا يعني أن الاستثمار العقاري التقليدي سيتراجع، بل إن السوق قد يصبح أكثر تنوعاً، بحيث تتعايش الملكية الكاملة مع الملكية الجزئية والرموز العقارية والأصول الرقمية. ومع انخفاض الحد الأدنى لبعض الاستثمارات إلى 1000 درهم، يصبح العقار أقرب إلى منتج استثماري يمكن الوصول إليه من خلال الهاتف والمنصات الرقمية، وليس فقط عبر عمليات شراء مرتفعة القيمة.
خيارات عديدة
ويستهدف مشروع الترميز العقاري تمكين عدة مستثمرين من امتلاك حصص مشتركة في عقار واحد، وتوسيع قاعدة المستثمرين لتشمل الأفراد والمؤسسات وصناديق الاستثمار العقاري، إلى جانب الشركات الناشئة العاملة في التكنولوجيا المالية والعقارية ومنصات الترميز والعقود الذكية.
كما يفتح المجال أمام المطورين العقاريين لاستكشاف نماذج استثمارية جديدة وتعزيز سيولة أصولهم، وشركات الأصول الافتراضية الراغبة في العمل ضمن الأطر التنظيمية المتقدمة في دبي، والجهات الدولية التي تسعى إلى دخول المنظومة العقارية في الإمارة، فضلاً عن شركات إدارة العقارات التي يمكنها دمج الأصول المرمّزة ضمن خدماتها.
ولا يقتصر الهدف على جذب رأس المال، بل يشمل أيضاً رفع الوعي بمنتجات العقارات المرمّزة، وتطوير إطار تنظيمي متكامل يعزز الحوكمة والشفافية والثقة، واستقطاب الكفاءات والشركات العالمية العاملة في البلوك تشين والتكنولوجيا العقارية والأصول الرقمية.
هل يصبح العقار أصلاً رقمياً؟
بالنسبة إلى دبي، يمثل الترميز العقاري أكثر من تجربة تقنية؛ فهو جزء من استراتيجية أوسع لدعم أجندة دبي الاقتصادية D33 واستراتيجية دبي للقطاع العقاري 2033 وتسريع التحول الرقمي.
أما بالنسبة إلى المستثمرين، فقد يكون التحول الأهم هو انتقال العقار تدريجياً من أصل مرتفع الكلفة وصعب التجزئة إلى أصل يمكن تقسيمه وتداوله والوصول إليه رقمياً.
ومع دخول جيل Z ثم Alpha إلى السوق، قد تتغير معايير الجاذبية الاستثمارية نفسها: سهولة الوصول، انخفاض الحد الأدنى، سرعة التنفيذ، القدرة على التنويع، والشفافية الرقمية قد تصبح عوامل لا تقل أهمية عن موقع العقار وعائده.
وبذلك، لا تختبر دبي فقط تقنية جديدة لبيع العقارات، بل تختبر أيضاً سؤالاً أكبر: هل يمكن للترميز أن يحوّل العقار من استثمار يحتاج إلى رأس مال كبير إلى أصل رقمي متاح لشريحة أوسع من المستثمرين؟
